النويري

19

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولا أسرع إدراكا ، ولا أوجد في كل إبان « 1 » من كتاب ؛ ولا أعلم نتاجا في حداثة سنة وقرب ميلاده ، وحضور ذهنه ، وإمكان موجوده ، يجمع من التدابير العجيبة ، والعلوم الغريبة ، ومن آثار العقول الصحيحة ، ومحمود الأذهان اللطيفة ، ومن الأخبار عن القرون الماضية ، والبلاد المتراخية ، والأمثال السائرة ، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب ؛ وقد قال اللَّه تبارك اسمه لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم : * ( اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) * فوصف نفسه تعالى جدّه بأن علَّم بالقلم ، كما وصف به نفسه بالكرم ، واعتد بذلك من نعمه العظام ، وفى أياديه الجسام . ذكر شئ مما قيل في آلات الكتابة قال إبراهيم بن محمد الشّيبانىّ فيما يحتاج إليه الكاتب : من ذلك أن يصلح الكاتب آلته التي لا بدّ منها ، وأداته التي لا تتمّ صناعته إلا بها ، وهى دواته ، فلينعم « 2 » ربّها وإصلاحها ، ثم يتخير من أنابيب « 3 » القصب أقلَّه عقدا وأكثفه لحما ، وأصلبه قشرا ، وأعدله استواءا ، ويجعل لقرطاسه سكَّينا حادّا لتكون عونا له على برى أقلامه ، ويبريها من جهة نبات القصبة ، فان محلّ القلم من الكاتب كمحلّ الرمح من الفارس . وقد خصّ الفضلاء القلم بأوصاف كثيرة ، ومزايا خطيرة فلنذكر منها طرفا .

--> « 1 » إبان كل شئ : وقته وحينه الذي يكون فيه . « 2 » أنعم العمل : أجاده ، يقال : إذا عملت عملا فأنعمه . « 3 » في الأصل : من ( الأنابيب ) بزيادة « ال » والصواب حدفها كما تقتضيه القواعد .